الأحد ٢٥ / أكتوبر / ٢٠٢٦
من نحن اتصل بنا التحرير
×
الموجز
logo السيسي يفتتح أسبوع القاهرة للمياه ويجدد التمسك بحقوق مصر المائيةlogo مصر وتركيا تبحثان خفض التصعيد الإقليمي وتأمين الملاحة الدوليةlogo ختام منتدى مصر 2026.. الحكومة ترسم ملامح المرحلة المقبلةlogo السيسي يعلن تحويل منتدى مصر إلى فعالية سنوية ومتابعة توصياته رئاسيًاlogo مصر تطلق منظومة موحدة لتعزيز حماية البيئة والمناخ بالمحافظاتlogo مصر تدشن مشروعًا جديدًا بالدخيلة لدعم التجارة وسلاسل الإمداد العالميةlogo مدبولي يكشف 3 خيارات أمام الدولة لمواجهة ارتفاع أسعار الطاقةlogo باريس.. ماكرون يختتم جولته الخليجية باتفاق لتمديد إمدادات الديزل السعوديlogo بوتين يوافق على استئناف مفاوضات السلام الثلاثية لإنهاء حرب أوكرانياlogo الحكومة المصرية تستعد لإطلاق برنامج وطني لتعزيز تنافسية الاقتصاد logo السيسي يفتتح أسبوع القاهرة للمياه ويجدد التمسك بحقوق مصر المائيةlogo مصر وتركيا تبحثان خفض التصعيد الإقليمي وتأمين الملاحة الدوليةlogo ختام منتدى مصر 2026.. الحكومة ترسم ملامح المرحلة المقبلةlogo السيسي يعلن تحويل منتدى مصر إلى فعالية سنوية ومتابعة توصياته رئاسيًاlogo مصر تطلق منظومة موحدة لتعزيز حماية البيئة والمناخ بالمحافظاتlogo مصر تدشن مشروعًا جديدًا بالدخيلة لدعم التجارة وسلاسل الإمداد العالميةlogo مدبولي يكشف 3 خيارات أمام الدولة لمواجهة ارتفاع أسعار الطاقةlogo باريس.. ماكرون يختتم جولته الخليجية باتفاق لتمديد إمدادات الديزل السعوديlogo بوتين يوافق على استئناف مفاوضات السلام الثلاثية لإنهاء حرب أوكرانياlogo الحكومة المصرية تستعد لإطلاق برنامج وطني لتعزيز تنافسية الاقتصاد

د.علي مبارك يكتب:مسؤوليةالتعبير بين الحريةوالالتزام الأخلاقي والقانوني

د.علي مبارك يكتب:مسؤوليةالتعبير بين الحريةوالالتزام الأخلاقي والقانوني

​تعد مسؤولية التعبير في القضايا العامة حجر الزاوية في بناء مجتمع ناضج وديمقراطي؛ فالقدرة على التعبير ليست مجرد حق فردي متاح للجميع، بل هي أيضاً التزام أخلاقي ومجتمعي يستوجب الوعي بأثر الكلمة ونتائجها على المسارات السياسية والاجتماعية والثقافية. ولا تقف هذه المسؤولية عند حدود ممارسة الحق في إبداء الرأي حول السياسات والقرارات والشؤون العامة، بل تمتد لتفرض التزاماً جاداً بالصدق والموضوعية والبحث عن الحقيقة. وتتجلى أهميتها في تعزيز الشفافية والموضوعية من خلال ممارسة النقد البناء الذي يكشف مواطن الخلل والفساد بناءً على حقائق وأدلة، مما يمنع التضليل ويرفع كفاءة المؤسسات، فضلاً عن ترشيد النقاش العام بحماية الفضاء العام من السطحية والشعبوية، وإثراء الحوار حول التحديات الاقتصادية والاجتماعية بأفكار ناضجة وحلول عملية، وحماية السلم المجتمعي عبر مراعاة أثر الكلمة والابتعاد عن الإثارة العاطفية أو تهديد نسيج المجتمع.  
​وفي هذا السياق، تطرح المسألة المتعلقة بالنشر عن أداء المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية والعاملين فيها تساؤلاً جوهرياً حول حدود المسموح والمحظور: هل يعد هذا النشر اختراقاً يستوجب المساءلة القانونية؟ تكمن الإجابة في التمييز الدقيق بين نقد الأداء الوظيفي والاعتداء على الأشخاص. فإن تقييم أداء المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية، أو نقد قرارات وسياسات الموظفين والقائمين على الخدمة العامة بسبب وظائفهم، هو حق مكفول ومظهر أساسي من مظاهر الرقابة الشعبية والإعلامية؛ فالنشر في هذه الحالة يعد نقداً مباحاً ولا يُعتبر اختراقاً ولا تجوز مساءلة الناشر، بشرط أن يتناول النقد العمل الوظيفي والأنشطة العامة بأسلوب موضوعي، وأن يستند إلى معلومات دقيقة أو بواعث حسن نية تستهدف المصلحة العامة وتسليط الضوء على الخلل للإصلاح. وفي المقابل، يتحول النشر إلى خرق قانوني وتجاوز موجب للمساءلة والانتهاك الذي يوجب الحساب والقضاء عند الخروج من نقد الأداء الوظيفي إلى الطعن في الذمم والتشهير الشخصي بالطعن في العرض والشرف أو نشر ادعاءات باطلة، أو عند تسريب الوثائق والمعلومات السرية التي تمس أمن الدولة والأنظمة الداخلية للمؤسسات، أو استغلال وسائل التواصل الاجتماعي للإهانات والسب والشتم والتحريض ضد الموظف العام أو الهيئة بهدف التشهير والانتقام لا الإصلاح. ولتوضيح هذا الفارق الدقيق عبر حالة تطبيقية عمليّة: فإن كتابة تقرير صحفي ينتقد تأخر تنفيذ مشروع خدمي حكومي ويحلل بالبيانات والوثائق وجود خلل إداري في إدارة هذا المشروع يُعد "نقداً مباحاً وعملاً رقابياً مهنياً"؛ بينما التحول إلى مهاجمة ذمة المسؤول التنفيذي عن المشروع أو اتهامه بالفساد المالي وتناول حياته الشخصية دون سند أو دليل قانوني يعتبر "تشهيراً صريحاً وتجاوزاً موجباً للمساءلة القانونية". وعليه، فإن النشر عن الأداء المؤسسي والوظيفي أداة لتعزيز الحوكمة، بشرط ألا يتعدى نقد "العمل" إلى اغتيال "شخصية" العاملين أو خرق سرية البيانات المكفولة قانوناً.  
​ومع التطور التكنولوجي، دخلت مسؤولية التعبير والنشر في عصر الذكاء الاصطناعي مرحلة شديدة التعقيد والخطورة؛ حيث أتاحت تقنيات التزييف العميق (Deepfake) والتوليد الآلي للنصوص والصور والفيديوهات إمكانية صناعة مشاهد ومقاطع صوتية ومحاكاتها بدقة عالية تضاهي الواقع تماماً. إن استخدام هذه التقنيات لتزييف الأخبار أو فبركة تصريحات للصحفيين والمسؤولين يعد انتهاكاً صارخاً لأخلاقيات النشر وجريمة تستوجب المسائلة القانونية ، لأنها تستهدف تضليل الرأي العام وزعزعة الثقة في المؤسسات. ولتفادي هذه المخاطر، تتطلب مقاومة هذا النوع الجديد من التزييف الرقمي استراتيجية متكاملة تركز على التثبت التقني باستخدام برامج كشف التزييف والأختام الرقمية (Watermarking) للتحقق من صحة الوسائط والمقاطع الأصلية ومصدرها، ورفع مستوى التربية الإعلامية والرقمية لوعي الجمهور والمستخدمين بتدقيق المصادر وعدم الانسياق وراء المواد الصادمة دون التأكد عبر قنوات رسمية وموثوقة، إلى جانب تحديث التشريعات والأطر القانونية لتغليظ العقوبات على تعمد إنتاج أو إعادة نشر المحتوى المزيف بالذكاء الاصطناعي بغرض التشهير والتضليل، وإلزام المنصات والمؤسسات الصحفية بوضع إشارة واضحة توضح أن المحتوى تم إنشاؤه أو تعديله بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي لضمان الشفافية أمام المتلقي.  
​ولتحقيق هذا التوازن الدقيق، لا يعني قولنا إن التعبير يجب أن يكون مسؤولاً تكميم الأفواه أو تقييد الآراء، بل يعني إيجاد التوازن السليم بين حرية الطرح والالتزام بالضوابط الأخلاقية والقانونية؛ من خلال مناهضة خطاب الكراهية والتحريض الذي ينتهي عنده التعبير المسؤول عندما يتحول إلى استهداف للجماعات أو دعوات للتمييز والعنف، وتحري الدقة وتجنب التشهير بالتمسك بالحقائق والابتعاد عن نشر الشائعات والافتراءات على الأفراد والمؤسسات، ومراعاة مقتضيات الأمن والمصلحة العامة بعدم نشر ما يضر بسلامة المجتمع في الأوقات الحساسة مع الحفاظ على حق المجتمع في معرفة الحقائق دون تعتيم. ولا يتأتى ذلك بالقوانين وحدها، بل يبدأ أساساً من "الرقابة الذاتية والضمير المهني" الذي يمثل خط الدفاع الأول لدى الكاتب والصحفي وصانع المحتوى؛ حيث يتعين على كل من يخاطب الفضاء العام أن يتحلى بالنزاهة الذاتية، ومراجعة المحتوى وإدراك تبعاته الأخلاقية والمجتمعية قبل مراجعة تبعاته القانونية.  
​ولتوفير الحماية اللازمة للفضاء العام، تتدرج آليات المحاسبة والمساءلة عند خرق قواعد النشر لتشمل مختلف الوسائل والمنصات؛ فالصحف والمؤسسات الإعلامية التقليدية تخضع لقوانين المطبوعات والنشر ومواثيق الشرف الصحفي، وتتم مساءلتها عبر هيئات تنظيم الإعلام ومجالس الصحافة من خلال إجراءات تشمل التحقيق، الإنذارات، الغرامات المالية، وصولاً إلى تعليق ترخيص النشر والملاحقة القضائية في حالات الجرائم الجسيمة كالنقض العمدي لحرمة الحياة الخاصة أو التشهير. وهنا يبرز "حق الرد والتصحيح الفوري" كآلية مهنية وسريعة لتقويم المسار قبل اللجوء للقضاء؛ حيث تكفل الأنظمة للمتضرر من نشر معلومات غير دقيقة نشر تصحيح وتوضيح في ذات المساحة والوسيلة الإعلامية لمعالجة اللبس وإحكام العدالة. أما المواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية فتُطبق عليها قوانين الجرائم الإلكترونية والأنظمة الرقمية الوطنية، وتصل عقوباتها إلى حجب المحتوى المضلل أو الموقع، وفرض غرامات مالية على المؤسسات المشغلة، والإلزام بحذف المواد المخالفة مع إمكانية الملاحقة الجنائية عند تعمد نشر شائعات تضر بالنظام العام. وفيما يخص وسائل التواصل الاجتماعي وصناع المحتوى، فتتم المساءلة عبر شقين: شق تقني وتنظيمي تقوم به إدارة المنصات نفسها كإغلاق الحسابات وتقييد وصول المحتوى عند انتهاك معايير المجتمع، وشق قانوني عبر الهيئات الأمنية المتخصصة في الجرائم السيبرانية لمُحاسبة الأفراد على المنشورات التي تتضمن تحريضاً أو تشهيراً أو تزييفاً للمعلومات وفقاً لتشريعات الأمن السيبراني ومكافحة الشائعات.  
​ويتزامن ذلك مع تحديات معاصرة فرضها العصر الرقمي على مفهوم مسؤولية التعبير أوجدت تحولات غير مسبوقة للأفراد والمنظمات؛ مثل ظاهرة انتشار الأخبار الزائفة وسرعة تداول المعلومات التي تضاعف من مسؤولية الناشر والمشارك في تحري صحة ما ينشره قبل إسهامه في تشكيل رأي عام قائم على تضليل، وظاهرة الاستقطاب الرقمي الناتجة عن خوارزميات المنصات الحديثة التي تضخم الآراء المتطرفة مما يتطلب وعياً مضاعفاً بالالتزام بآداب الحوار والنقد المتزن، فضلاً عن تحدي التشريعات والتنظيم وسعي العديد من الدول لفرض قواعد تنظيمية لضبط الفضاء الرقمي مما يستدعي الحذر دائماً حتى لا تُستغل هذه التنظيمات في الحد من التعبير الناقد والبناء.  
​ختاماً، تبقى مسؤولية التعبير في القضايا العامة هي المقياس الحقيقي لوعي المجتمعات ورقيها؛ فبقدر ما يتسع مجال النقاش وحرية الطرح، بقدر ما تزداد الحاجة إلى ممارسة هذه الحرية بمسؤولية وحس وطني وأخلاقي. إن حماية هذا التوازن تتطلب ترسيخ ثقافة مجتمعية قائمة على احترام الحقيقة، وتقبل الرأي الآخر، وإدراك أن الكلمة مسؤولية ذات أثر يمتد للمجتمع ككل.


بقلم الخبير الإعلامي الدكتور علي مبارك